الغزالي
95
الأربعين في اصول الدين
لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 215 ] . وقال - عليه السلام - : « يكون قوم يقرءون القرآن فلا يجاوز حناجرهم ، يقولون قد قرأنا القرآن ، فمن أقرأ منا ومن أعلم منا ؟ » ، ثم التفت وقال : « أولئك منكم أيّها الأمة « 1 » ، أولئك هم وقود النار » . ومن هذا اشتد حذر السلف ، حتى إنه صلى حذيفة مرة - رحمه اللّه - بقوم ، فلما سلم قال : « لتلتمسنّ إماما غيري أو لتصلّنّ وحدانا ، إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني » . وينبغي أن يتذكر الإنسان أنه كم من مسلم نظر إلى عمر - رضي اللّه عنه - قبل إسلامه واستحقره ، ثم كانت خاتمة عمر كما كانت ، وذلك المسلم لعله ارتد بعده ، فكان المتكبر من أهل النار والمتكبّر عليه من أهل الجنة . وما من عالم إلا ويتصور أن يختم له بالسوء ، ويختم للجاهل بالسعادة ؛ فكيف يكون الكبر مع معرفة ذلك ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتابه « 2 » فتدور به كما يدور الحمار بالرحا ، فيطيف به أهل النار فيقولون : ما لك ! فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وأنهى عن الشر وآتيه » . فأيّ عالم يسلم من ذلك فلم لا يشغله خوفه عن التكبر ؟ وقد قال اللّه تعالى في بلعم بن باعورا وهو من أكابر العلماء : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ الأعراف : 176 ] الآية ، لأنه أخلد إلى الشهوات . وقال بعلماء اليهود : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] . فلينظر في الأخبار التي وردت في علماء السوء حتى يغلب خوفه كبره ؛ وإنما يبقى الكبر مع هذا لمن اشتغل بعلوم غير نافعة في الدين ، كالجدل واللغة وغيرهما ، أو لمن اشتغل بالعلم وهو خبيث الباطن فازداد خبثه بسببه . السبب الثاني الورع والعبادة : ولا يخلو المتعبد في باطنه عن كبر ، وقد تنتهي الحماقة ببعضهم إلى أن يحمل مصائب الناس ومسراتهم على كرامته . فمن آذاه ومات أو مرض يقول : قد رأيتم ما فعل اللّه سبحانه به . وربما يقول عند الإيذاء : سترون ما يجري عليه . وليس يدري الأحمق أن جماعة من الكفار ضربوا الأنبياء وآذوهم ، ثم متّعوا في الدنيا فلم ينتقم منهم ، بل ربما أسلم بعضهم فسعد في الدنيا والآخرة ، فكأنه يرى نفسه أفضل من الأنبياء ومؤذيه
--> ( 1 ) هكذا في الأصل ولعلها تصحيف « الأئمة » . ( 2 ) أي يخرج من بطنه أمعاؤه .